عمّان – أكدت تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان أن استخدام العقوبات البديلة في الأردن شهد نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس ثقة القضاء في هذه الأدوات الإصلاحية ونجاحها في تحقيق أهداف العدالة الإصلاحية. فقد ارتفع عدد الأحكام البديلة من 286 حكمًا عام 2020 إلى 302 حكم عام 2021، ثم 654 حكمًا عام 2022، قبل أن يصل إلى 3,964 حكمًا عام 2023. وفي عام 2024 بلغ عدد الأحكام البديلة 2,392 حكمًا، فيما تجاوز العدد التراكمي منذ التوسع في التطبيق 14 ألف حكم حتى نهاية عام 2025، مع نسبة نجاح بلغت نحو 95% دون مخالفات جديدة، وهو مؤشر واضح على فعالية هذا النهج في تقليل معدلات العودة للجريمة وتعزيز الإصلاح الفردي والمجتمعي.
وأوضحت "تمكين" في بيان صادر عنها أن التوسع في تطبيق العقوبات البديلة في الأردن يمثل تحولًا جوهريًا في فلسفة العدالة الجنائية، ويعكس توجهًا متقدمًا نحو اعتماد سياسات عقابية متوازنة، تحقق الردع وحماية المجتمع من جهة، وتتيح فرص الإصلاح وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحكوم عليهم من جهة أخرى.
وأعلنت "تمكين" في بيانها أنها تنفذ حاليًا حملة توعوية متخصصة على وسائل التواصل الاجتماعي حول العقوبات البديلة وبدائل الإصلاح المجتمعي، وتهدف الحملة إلى توعية المجتمع بالإطار القانوني للعقوبات البديلة، وطرق وآليات تطبيقها، والفوائد الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بها، إضافة إلى إبراز دور هذه الأدوات في تعزيز العدالة الإصلاحية وتقليل الاكتظاظ في مراكز الإصلاح والتأهيل.
وتعمل "تمكين" بالتوازي على إعداد ورقة موقف تحليلية حول العقوبات البديلة في الأردن، تهدف إلى دراسة الإطار التشريعي والمؤسسي الذي يحكم تطبيق هذه البدائل، وتقييم أثرها على منظومة العدالة الجنائية، وسوق العمل، والاستقرار الاجتماعي، مع تحليل التحديات العملية المحتملة، مثل البنية المؤسسية وآليات المتابعة والتنفيذ. كما ستتضمن الورقة توصيات عملية لتعزيز فعالية العقوبات البديلة وتوسيع نطاق تطبيقها بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وضمان حقوق الأفراد.
وأشارت "تمكين" إلى أن هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن السجن، وخصوصًا قصير المدة، ليس دائمًا الوسيلة الأكثر فاعلية لمعالجة السلوك الجرمي أو الحد من تكراره، بل قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية تؤثر سلبًا على الفرد والمجتمع على حد سواء.
وأضافت "تمكين" أن السياسات العقابية الحديثة في العديد من الدول تتجه نحو اعتماد بدائل الإصلاح المجتمعي كأدوات قانونية تهدف إلى تحقيق العدالة بطريقة أكثر شمولية وإنسانية، تقوم على إصلاح السلوك وتقويمه دون عزل الفرد بالكامل عن بيئته الأسرية والاجتماعية. وفي هذا السياق، بدأت التشريعات الأردنية تبني هذا النهج تدريجيًا، من خلال منح القضاء صلاحيات أوسع لاستبدال العقوبات السالبة للحرية ببدائل إصلاحية تتناسب مع طبيعة الجريمة وظروف المحكوم عليه.
وأكدت "تمكين" أن هذا التوجه يتوافق مع الرؤية الإصلاحية الأوسع التي أكدت عليها القيادة السياسية الأردنية، وبالأخص ما ورد في الورقة النقاشية السادسة للملك عبد الله الثاني بن الحسين، التي شددت على أن سيادة القانون لا تقتصر على إنفاذ النصوص القانونية فحسب، بل تشمل تحقيق العدالة مع الحفاظ على كرامة الإنسان وتعزيز قيم المواطنة والمسؤولية المجتمعية. وفي هذا الإطار، يُعد تطوير منظومة العدالة الجنائية بما يوازن بين الردع والإصلاح أحد الركائز الأساسية لبناء مجتمع أكثر عدالة واستقرارًا.
وبيّنت "تمكين" أن التجربة الأردنية في مجال العقوبات البديلة لم تأتِ فجأة، بل هي نتيجة تطور تشريعي ومؤسسي تدريجي. فقد بدأت ملامح هذا التوجه مع قانون الأحداث لعام 2014 الذي ركّز على إعادة تأهيل الأحداث وإصلاحهم بدلًا من إدخالهم إلى السجون، انطلاقًا من فكرة أن الهدف من العقوبة هو التقويم وإعادة الإدماج الاجتماعي. ومع مرور الوقت توسع نطاق هذه الفلسفة ليشمل فئات أوسع من القضايا، حيث أتاحت تعديلات قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 عام 2017 استبدال الحبس في بعض الجنح البسيطة التي لا تتجاوز عقوبتها سنة واحدة ببدائل إصلاحية، تلتها تعديلات 2022 لتشمل الجنح التي تصل عقوبتها إلى ثلاث سنوات، ثم تعديلات 2025 التي وسّعت نطاق التطبيق ليشمل بعض الجنايات البسيطة والغرامات وقضايا النفقة الشرعية.
وأضافت "تمكين" أن التشريعات الأردنية حددت مجموعة من الأدوات القانونية التي يمكن للمحاكم اللجوء إليها كبدائل عن الحبس، من أبرزها الخدمة المجتمعية، والمراقبة الإلكترونية عبر السوار، والبرامج العلاجية والتأهيلية. وتقوم الخدمة المجتمعية على إلزام المحكوم عليه بأداء عمل غير مدفوع الأجر لصالح المجتمع ضمن مؤسسات عامة أو خدمية، بما يعزز شعور المحكوم عليه بالمسؤولية والانتماء. أما المراقبة الإلكترونية فتتيح متابعة التزام المحكوم عليه بقيود محددة عبر وسائل تقنية متطورة، مع السماح له بمواصلة حياته اليومية والعمل والحفاظ على استقرار أسرته. في حين تركز البرامج العلاجية والتأهيلية على معالجة الأسباب الجذرية للسلوك الإجرامي، مثل الإدمان أو اضطرابات السيطرة على الغضب، بما يساهم في تحقيق إصلاح فعلي ومستدام.
وأوضحت "تمكين" أن تطبيق هذه البدائل يحقق فوائد اجتماعية واقتصادية وإنسانية ملموسة. فاجتماعيًا، تسهم البدائل في تقليل العدوى الجرمية الناتجة عن اختلاط مرتكبي الجرائم البسيطة بأصحاب السوابق داخل السجون، كما تساعد في الحفاظ على الروابط الأسرية والاجتماعية للمحكوم عليهم، ما يقلل احتمالية العودة للجريمة. أما اقتصاديًا، فتتيح البدائل خفض التكاليف المرتبطة بإدارة السجون، إذ تتراوح تكلفة السجين الواحد بين 750 و800 دينار شهريًا، في حين تبلغ تكلفة السوار الإلكتروني نحو 300 دينار فقط، ما يوفر موارد مالية يمكن استثمارها في برامج إصلاحية وتنموية أخرى.
ولفتت "تمكين" إلى أن البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل والمجلس القضائي الأردني تظهر نموًا ملحوظًا في استخدام العقوبات البديلة، ما يعكس ثقة القضاء في هذه الأدوات الإصلاحية. فقد ارتفع عدد الأحكام البديلة من 286 حكمًا عام 2020 إلى 302 حكم عام 2021، ثم 654 حكمًا عام 2022، قبل أن يصل إلى 3964 حكمًا عام 2023. وفي 2024 بلغ عدد الأحكام البديلة 2392 حكمًا، فيما تجاوز العدد التراكمي منذ التوسع في التطبيق 14 ألف حكم حتى نهاية عام 2025، مع نسبة نجاح بلغت نحو 95% دون مخالفات جديدة، وهو مؤشر واضح على فعالية هذا النهج في تحقيق الإصلاح وتقليل معدلات العود للجريمة.
وأكدت "تمكين" في ختام بيانها أن تطوير منظومة العقوبات البديلة يشكل جزءًا أساسيًا من بناء نظام عدالة أكثر كفاءة وإنصافًا، يقوم على تحقيق الردع دون الإضرار غير الضروري بالأفراد وأسرهم. وشددت "تمكين" على أهمية استمرار تطوير الإطار التشريعي والمؤسسي للبدائل العقابية، وتعزيز التعاون بين الجهات القضائية والتنفيذية والمؤسسات المجتمعية لضمان تطبيقها بشكل فعّال وعادل، بما يسهم في تحقيق أهداف الإصلاح وإعادة الإدماج المجتمعي، ويعزز في الوقت ذاته ثقة المجتمع بمنظومة العدالة وسيادة القانون.